السيد محمد تقي المدرسي
14
من هدى القرآن
من الناس ، ويضرب الله سبحانه مثلين على ذلك : الأول : الهزيمة التي لم تلبث أن تحولت إلى انتصار للروم ، الذين كانوا يعتبرون أصحاب رسالة مقارنة مع الفرس الذين كانوا مجوسا . وقد كان الكفار - الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا - قد تفاءلوا بانكسار الروم ، بيد أن الله سبحانه أكد نصر عباده ، وهكذا كان حيث فرح المؤمنون بنصر الله . الثاني : يضرب الله مثلا لأولئك الذين امتلكوا حضارة كانوا أشد قوة ، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ، وكذبوا برسالة الله لما جاءتهم . إن الناظر البسيط الساذج سيظن أن تلك الحضارة لن تبيد أبدا ، ولكن من ينظر إلى عواقب الأمور ، ويستدل بالظواهر عما وراءها من السنن الخفية ، فيرى في الحضارة جراثيم التخلف ؛ الظلم ، والبغي ، وسحق الكرامات ، يعرف أنها حضارة هالكة في سنوات تطول أو تقصر حسب حجم الانحراف فيها ، إلا أن يغيروا ما بأنفسهم . بينات من الآيات : [ 1 ] ألم - كما سبق القول - ربما تكون هذه الحروف المقطعة إشارة إلى القرآن الحكيم ، وتهدينا هنا إلى عظمة كشف القرآن لأسرار الخليقة ، وربما تكون رموزا لا يهتدي إليها سوى أولياء الله . [ 2 ] غُلِبَتْ الرُّومُ انتصرت الفرس على الروم ، وكان المسلمون يأملون انتصار الروم ، لأنهم مثلهم أصحاب رسالة ، بخلاف الفرس . [ 3 ] فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ في الشرق الأدنى . وقد روى التاريخ : ( أن حربا طويلة حدثت في عهد ( خسرو پرويز ) ملك الفرس مع الروم استمرت زهاء أربع وعشرين سنة ، حيث دامت من سنة ( 604 ميلادية إلى سنة 628 ) . وفي حدود سنة 616 ميلادية هجم قائدان عسكريان في الجيش الفارسي هما : ( شهربراز ) و ( شاهين ) على الحدود الشرقية للروم ، فهزما الروم هزيمة نكراء ، وسيطرا على منطقة الشامات ومصر وآسيا الصغرى ، فواجهت الروم الشرقية بسبب هذه الهزيمة حالة الانقراض تقريباً ، استولى الفرس على جميع ما كان تحت يد الروم من آسيا ومصر . وكان ذلك في حدود السنة السابعة للبعثة ! ) « 1 » .
--> ( 1 ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : ج 12 ، ص 475 .